العودة
قصة قصيرة

ومن يصنع المعروفَ في غير أهله ِ يلاقي الذي لاقى مجيرُ أمِّ عامرِ

مصطفى حازم
أبريل

يحكى أن جماعةً من الأعراب كانوا يطاردون أنثى ضبع تعرضت طريقهم، وكانت العرب في سالف عهودهم يُكنّون أنثى الضبع بأم عامرٍ، فادبرت هاربةً منهم ولجأت إلى بيت أحد الأعراب مستنجدة به.

فلما رآها واهنةٍ، خائرة القوى وقد أنهكها حر القيظ وأضناها العطش، خرج شاهرا سيفه في وجه الأعراب وسأل : ما شأنكم؟

قالوا : طريدتنا ونريدها

قال : إنها أصبحَت في جواري، ولن تصلوا لها ما دام هذا السيف بيدي

فاعرضوا عنه وانصرفوا.

فحدق بأم عامر فإذا بها جائعة، فحلب نعجته وسقاها، وما أن تجرعت الحليب حتى ارتدت عافيتها.

ومع دخول الليل نام الأعرابي فرحاً بما قدمه من إحسان لإنثى الضبع، وما أن غفا حتى وثبت عليه وبقرت بطنه، وشربت من دمه، وتركته وسارت عنه.

وفي صباح اليوم التالي، أقبل ابن عم الأعرابي قاصدا بيته، فوجده مقتولا غارقا بدمائه، فعرف أنها أنثى الضبع فتتبع أثرها وأرداها قتيلة بسهمه.

فأنشد أبيات مرثياً بها ابن عمه :

ومن يصنع المعروفَ في غير أهله ِ

— "من يصنع الخير بمن لا يستحقه يلقى جزاءً مثل هذا"

يلاقي الذي لاقى مجيرُ أمِّ عامرِ

— "يستقبل نفس ما استقبله مُجيرُ أم عامر"

أدام لها حين استجارت بقربه

— "أطعمها وسقاها حين جاءت إليه"

طعاماً وألبان اللقا ح الدرائرِ

— "طعاما وألباناً من غنمه"

وسمنها حتى إذا ما تكاملت

— "أطعمها حتى سمنت واستعادت قوتها"

فرَّتْهُ بأنيابٍ لها وأظافر

— "لكنها هربت منه بأسنانها ومخالبها"

فقل لذوي المعروفِ هذا جزاء من

— "فقل لأهل المعروف: هذا جزاء من يفعل الخير"

يصنع المعروفَ في غير شاكرِ

— "لمن لا يستحقه أو يشكره"

وقائع هذه الحكاية تُجسّد مبدأً عربياً قديماً : "ومن يصنع المعروفَ في غير أهلهِ"، أي أن الإحسان لا ينبغي أن يُبذَل إلا لمن يستحقه ويشكره، فليس كل قلبٍ يستحق العطف، وليس كل يد تقبض على الإحسان لتقبض صاحبه.

قصة قصيرة
تدقيق: دانة حسام